الحداثة لا تستأذن فهي تداهم
الحداثة لا تستأذن فهي تداهم*
نورالدين الوردي
باحث في السوسيولوجيا، متصرف إداري
الحداثة لا تستأذن فهي تداهم
بدأت الحداثة تطرح على نفسها مشكلة العثور على ذاتها عند نهاية القرن الثامن عشر- أي البحث على مشروعيتها على حد قول بلومنبرغ Blomenberg ،أو أن تستمد ضماناتها من ذاتها كما ذكر هابرماس Habermas ، هذا الأخير الذي يرى أن هيغل Hegel ، الذي يعتبر هو أول من طرح مسألة قطيعة الحداثة مع الإيحاءات التي هي غريبة عنها؛ فاتخذت هذه المسألة صورة حادة لديه(هيغل) وتناولها كمشكل فلسفي، بل أكبر من ذلك كمشكل أساسي في فلسفته، بمعنى أن سؤال الحداثة ليس مجرد سؤال من أسئلة عدة لأنه يكتسي راهنيته التي تستدعي وتتطلب اهتماما ذو أوليا وآنيا، بل ربما كان السؤال المحوري، هو سؤال الأسئلة الذي يطرحه العصر على نفسه من خلال الفلسفة ليفهم ذاته ويعرف ماهيته ومعناه ويستشرف مآله وآفاقه مما يجعل القول بأن الحداثة تقوم على مرتكزات ضرورية أهمها:
مرجعية العلم باعتباره أساسا لكل ثقافة، لأن المعرفة تعتمد على المنهج؛
فكرة التقدم لأنه يساعد على الفهم، لأن السيرورة التاريخية تتقدم ولا تتراجع، والعصر الذهبي للحداثة هو المستقبل(حتمية التقدم والتطور)؛
نزع الطابع الأسطوري عن الأشياء، واستيعابها داخل القانون عملا بالانتقال من أخلاق الضمير إلى أخلاق المؤسسة حسبما يعبر عنه ماكس فيبر Max Weber .
وتتضمن الحداثة بعضا لمعالمها الأساسية من خلال استقراء النموذج الأروبي انطلاقا من كنون:
1. أنها تقوم على أساس إعطاء الأهمية للإنسان Homme ( من خلال الانتقال العضوي إلى مركزية الإنسان في الفعل )، لأن الذات فاعلة – الفرد –والإنسان الحديث متحرر ترفع كل القيود عن عقله وعن إبداعه وعن حركته ولم يعد سلبيا متأثرا.
2. مسألة الحرية التي ترتكز على بالأساس على تحرير الأفراد من ضغط السلط، لكي يصبحوا فاعلين في صنع التاريخ لانتزاع قدر ممكن من الحرية ونصبها كمثال وكتمثال لحرية صغيرة Liberté public .
3. تمجيد العقل لأنه المحكمة الأسمى التي يحاكم أمامها كل شيء ولها الحق في التدخل في كل شيء، والعقل كمرجع وكآلية يعمل على تحليل التشريح مرتكزا علة سمة النقد (بمعنى التحليل والتفكيك) في حدود الإمكان باللغة الكانطية (نسبة لإيمانويل كانط Emanuel Kant)، أي يقوم بالإجراء المنهجي الذي لا يفلت أي شيء؛ لأن العقلنة هي الفحص النقدي الذي يعمل على المطابقة بين الوسائل والغايات كما ورد عند م. فيبر ويعتبرها الآلية والتفكيك.
4. التاريخانية Historicisme، إرجاع كل الوقائع والأحداث إلى محدداتها التاريخية أي السوسيولوجية (الواقعية)، وهي توسط التاريخ الحي في الصراع بين الناس، أي في الأحداث الاجتماعية لأنها مشروطة بكيفية وقوعها وإنتاجها تنتهي إلى النسبية في الأحكام أي نسبية الحقيقة.
الحداثة ظاهرة كلية مركبة:
تتمركز سيرورة التقنعلمية Processus technoscientifique على نشأة الكون، وهذه السيرورة تعد دينامو أو محرك أساسي للحداثة، وكذلك على المظهر السياسي على إثر تحول أو ثورة نوعية في تطور البشرية، وهو تحول ف يفهم طبيعة المجتمع وطبيعة السلطة؛ وهما سيرورتان انفصاليتان بالنظر أما تحدثانه من قطائع نوعية مع الماضي، فالثورة السياسية هي تخويل السلطة إلى مسألة دنيوية خالصة عن طريق احتمائها بالمقدس لبسط سلطتها المطلقة، وتقطع مع السياسي القديم لتقيم التعاقد والتمثيلية والمواطنة والمحاسبة لنزع كل الأشكال القدسية للحاكم.
هذان المظهران تكمن وراءهما مظاهر أخرى، أي ثقافة نظرة معينة للعالم والإنسان، ثقافة بمعنى تصور شامل للعالم، صاحبت هذه التحولات وساندتها كونها نتيجة وفاعلة في التطورات اللاحقة.
والعمق الفكري للحداثة لا يمكن تأصيله إلا إذا كان هناك استعداد للثقافة المقتبسة(هذا هو مشكلنا)، وحضور الرغبة في اكتساح كل المجتمعات والعقول وكل الأسواق، أي أنها تعيش عن طريق الانتشار، وإزالة الالتباس والإبهام، وإن عدم الوضوح في شعار الحداثة الذي تبنته الأحزاب الاشتراكية والتقدمية في منتصف القرن العشرين الذي كانت وراءه ثقافة منظومة قيم أخلاقية جديدة ونظرة جمالية ونظام معرفي(طريقة جديدة في معرفة الطبيعة، والإنسان، والتاريخ، والعلاقات الاجتماعية الأسرية...)، مما يسمح القول معه أن الحداثة ليس مفهوما سياسيا، بل هي ظاهرة كلية مركبة تشمل كل ثنايا الوجود، غير أن وجهها البارز هو الوجه السياسي والتكنولوجي(التقني)، أما الأعماق الفكرية فهي عسيرة لجدة التفكير فيها، فهذان مظهران بارزان في الجبل الجليدي للحداثة، حيث أن الأول بدأ الاهتمام به منذ أن حدث نوع من التحول العلمي والتقني في المعرفة الإنسانية، وتغذت منه الحداثة باستمرار وأنتجت تربية ملائمة للحداثة في المجتمع الذي داهمته هذه الأخيرة عن طريق مستويات متعددة ومختلفة، والمجتمع الحديث الذي هو مجتمع العمل(يصبح العمل فيه ذو قيمة ّأساسية في بنائه)؛ ووجوب الحديث في التربية الحداثية يحدث في تربية أسرية، ومدرسية(التعلم)، ثم في الساحة العمومية(المجتمع)؛ فهذه تعتبر أشكالا من التربية الحداثية الشاملة التي تعطي حق السؤال والتساؤل في الشخصية، بدء من الاعتراف بالطفل كائنا ينتقل من المجتمع الهولامي-الكلي-الواحدي إلى مجتمع الفئات والطبقات على مستويات مختلفة في التمايز الاجتماعي.
التربية الأسرية: ما يزال المجتمع المغربي يعاني منها بالنظر إلى تركيبته الاجتماعية المعقدة التي يتداخل فيها الكثير من الموروثات الثقافية والتقاليد والأعراف المختلفة والمتعددة.
التربية المدرسية: إن المدرسة نظام حديث لتلقين المعرفة بشكل من أشكال التأطير الاجتماعي الحديث لتلقي الخبرات والمعارف، أي أن المدرسة هي مجال متميز لممارسة التربية الحداثية على خط التربية الأسرية، ومن أبرز متطلباتها إذكاء طابع وروح المسؤولية الشخصية لفائدة المتلقي، والانتقال به من الدائرة لما تحمله من ثقافة قمعية وزجرية إلى ثقافة التساؤل واستقلال الشخصية التي تعمل العقل.
التربية في الساحة العمومية: تقوم وتسهر على تربية المواطن، وتعريفه على حقوقه وواجباته، وهيمنة القانون(الانتقال من علاقة الولاء إلى علاقة المشاركة وفرض المسؤولية) والمساءلة والحوار العقلاني الهادئ.
إذن إن الحداثة كما تم الحديث عنها تجد نفسها أمام ثقافة وأمام مجتمع تقليدي مهيمن، ربما هناك اليوم رد فعل ضدها، أو فترة صراع بينها وبين التقليد في مختلف جوانبها المقبولة، فتجابه مقاومات متعددة تدافع عن التقليد، لكن رغم ذلك الحداثة لاتستأذن فهي تداهم.
والمجتمع المغربي يقبل ثمرة التقنية ويرفض روحها، أي أنه يعيش على قشورها ويستأصلها من ثقافاتها، هنا تظهر آلية المقاومة كآلية للهجوم.
لإذن المطلوب هو أن تعي النخبة هذه البنيات الفكرية، وتقتنع أن الحداثة تضع نفسها في موضع التمنع، والمجتمعات التي لا تجرؤ على تبني الحداثة تضع نفسها أمام خيارين: أن تتبناها أو تحكم على نفسها بالموت.
فمطلوب من النخب أيضا أن تعي متطاباتها التي تتجلى في:
توسيع دائرة وفضاء الحريات(الأفكار، المعتقدات...) في وجه كل أشكال المقاومة التي تتنامى وتزدهر اليوم.
توسيع مساحة النقد والعقل.
تحويل البداهات إلى إشكال وتساؤلات.
الحداثة اليوم هي خيار وليس اختيار.
*نشر هذا المقال بجريدة أخبار اليوم العدد 170 الأربعاء 16 شتنبر 2009